الجمعة، 6 مارس 2009

هل تراجع طه حسين عن آرائه حقاً؟

هل تراجع طه حسين عن آرائه حقاً؟
محمد رضا سليم
طه حسين رداً على مقالتيْ الدكتور محمد عمارة، بمجلة المجتمع الغراءبدأت معرفتي بطه حسين سنة 1972م، بقراءتي لكتابه "الفتنة الكبرى" (عثمان). وقد صدمت كثيراً بكم الافتراءات الكبير الذي نسبه إلى سيدنا عثمان رضي الله عنه وبعد ذلك بسنوات قرأت "العواصم من القواصم" للقاضي المالكي أبي بكر بن العربي، ووجدت فيه ردوداً شفت صدري من هذا الإفك الذي افتراه طه حسين على سيدنا عثمان رضي الله عنه أحد العشرة المبشرين بالجنة، وذي النورين الذي زوجه نبينا { من ابنتيه رقية وأم كلثوم، وقال له: لو كان عندي ثالثة لزوجتك إياها. والذي قال فيه: إن الملائكة لتستحي من عثمان. والذي قال فيه عندما جهز جيش العسرة: "ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم". (تُراجع فضائل عثمان رضي الله عنه في كتب الحديث).ثم قرأت للرجل "الأيام" ووجدت فيها سخرية شديدة من الفقي "سيدنا" كما كان يُسمى، وهو محفظ القرآن في الكُتَّاب، وسخرية من الأزهر ومن شيوخه ومن الطرق التي يدرسون بها في الأزهر.ووجدت بعد ذلك سخرية من القرآن الكريم، وشكاً فيه عندما استخدم المنهج الديكارتي "منهج الشك" في التعامل مع القرآن الكريم في كتابه "في الشعر الجاهلي". وقد شكك في هذا الكتاب أن يكون إبراهيم أو إسماعيل عليهما السلام، حقيقة تاريخية رغم حديث القرآن الكريم عنهما!إن الذي ينسف إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام يريد أن ينسف محمداً {، لأن إسماعيل عليه السلام هو الجد الأكبر لرسولنا الكريم {، وإذا نُسف الجد نُسف الحفيد بالتبعية، وإذا نُسف محمد { فلا قرآن ولا إسلام. وقد أنكر في كتابه في الشعر الجاهلي معظم الشعر الجاهلي وهو ما عُرف بقضية "الانتحال في الشعر الجاهلي"، ورد عليه أعلام الفكر في ذلك الوقت، الدكتور محمد أحمد الغمراوي، والشيخ محمد الخضر حسين شيخ الأزهر، والدكتور عبدالحميد المسلوت أستاذ الأدب العربي، والشاعر الكبير علي الجندي عميد دار العلوم، والكاتب الإسلامي الكبير مصطفى صادق الرافعي في كتابه: "تحت راية القرآن"، أو "المعركة بين القديم والجديد".وقد سرق طه حسين كتاب "المتنبي" للعلامة محمود شاكر والذي نشره سنة 1926م، مسلسلاً في جريدة "المقتطف" في ذلك الوقت ونشره باسم "مع المتنبي"، ونجد ذلك كله في مقدمة العلامة محمود شاكر لكتابه "المتنبي" (وقد حصل بهذا الكتاب على جائزة الملك فيصل العالمية في الأدب) وقد نشرت هذه المقدمة في كتاب منفصل تحت عنوان "رسالة في الطريق إلى ثقافتنا" نشرته دار الهلال في مصر منذ عدة سنوات.وقد حكى العلامة محمود شاكر في كتابه السالف الذكر، سبب فساد الحياة الثقافية في مصر، ولماذا ترك الدراسة في كلية الآداب في العشرينيات من القرن الماضي، وهاجر إلى السعودية؟ وماذا فعل طه حسين بكتابه "المتنبي" وغيرها من الأمور المتعلقة بهذا الذي نُصب عميداً للأدب العربي في بلادنا وعميداً لمجمع اللغة العربية، والذي أريد له أن يلعب دوراً في الغض من ثقافتنا والتشكيك في تراثنا ونقل القيح الذي خرج من أقلام وأفواه أساتذته الفرنسيين.
العميد.. يُعمَّد في باريس!!وعلى ذكر الفرنسيين، أذكر أن الأستاذ الكبير أحمد حسين مؤسس حزب "مصر الفتاة" قد نشر مقالاً في مجلة "الثقافة" سنة 1973م، يؤكد فيه أن طه حسين قد عُمِّد في باريس، كما يفعل النصارى مع أبنائهم، وأنه كان راسباً في اختبار اللغة اللاتينية، وأن زوجته الفرنسية "سوزان" التي كانت تقرأ له قد أسرت في أذن المناقشين لرسالته شيئاً، فأجيز ونجح في الاختبار بعد أن كان راسباً.وهو يُرجع هذا إلى أنه قد اختير لأداء دور معين في الثقافة العربية والإسلامية والأدب والفكر العربي في مرحلة معينة، وهي مرحلة ذهاب الاستعمار واستبدال أبواق به تقول في الإسلام أكثر مما يحلم المستشرقون أن يقولوا، وقد كان مخلصاً أشد الإخلاص لأساتذته الفرنسيين ولفرنسا ذاتها، وقد كان يقضي إجازته الصيفية في مرسيليا، وكانت هناك رسائل متبادلة بينه وبين توفيق الحكيم صاحب الثقافة الفرنسية أيضاً.وقد كتب طه حسين في كتابه الخطير "مستقبل الثقافة في مصر": "إن علينا أن نسير سير الأوروبيين ونسلك طريقهم.. في الحضارة، خيرها وشرها، وحلوها ومُرها، ما يُحب منا وما يُكره، وما يُحمد منها وما يُعاب".وقد ذكر هذا النص الأستاذ الكبير د.محمد عمارة، في مقالته الأولى، وأنا أقول لطه حسين: أما كان علينا أن نأخذ خير هذه الحضارة ونترك شرها؟ ونأخذ حلوها، ونترك مرها؟ ونأخذ ما يُحب، ونترك ما يُكره؟ ونأخذ ما يُحمد، ونترك ما يُعاب؟ أم هو فرض علينا لا محيص عنه؟!!وقد نُسب إليه كتابة كتاب "الإسلام وأصول الحكم" للشيخ علي عبدالرازق وقال: "لقد قرأت أصول كتاب الشيخ علي عبدالرازق قبل طبعه، ثلاث مرات، وعدلت فيه كثيراً"!!. وقد ذكر هذا الدكتور عمارة وأكده قبله بسنوات الدكتور مصطفى الشكعة أستاذ الأدب في مصر في حوار معه في جريدة "آفاق عربية"، حيث أثبت أن الدكتور طه حسين هو الذي كتب "الإسلام وأصول الحكم"، وقد طبع الكتاب يحمل اسم "علي عبدالرازق" ولم يخرج الشيخ علي عبدالرازق كتاباً بعده ولا قبله، وهذا دليل آخر على أنه لم يكتب هذا الكتاب.
تساؤلاتإنني أتوجه بعدة أسئلة للأستاذ الدكتور محمد عمارة، وهي:1 هل تراجع طه حسين عما كتب في كتابه: "مستقبل الثقافة في مصر"؟ إن الدكتور عمارة ينقل عن طه حسين في حوار معه في الأهرام في مارس سنة 1971م قوله عن هذا الكتاب "ده كتب سنة 1938م، قُدم قوى، عاوز يتجدد، ويجب أن أعود إليه، وأصلح فيه بعض حاجات، وأضيف".هذا هو أسلوبه في الحوار، أسلوب ركيك باللغة العامية ولا يرقى أبداً أن يكون هذا أسلوب عميد الأدب العربي وعميد مجمع اللغة العربية.
المحطة الأولى للمراجعاتوالدكتور عمارة يعتبر هذه أولى محطات المراجعات الفكرية في مسيرة الدكتور طه حسين، وأقول له: هل تراجع عن هذه الأفكار؟ هل عدل هذا الكتاب؟ هل أعاد طبعه بعد حذف الأفكار الغريبة العجيبة التي أوردنا طرفاً منها؟ ولماذا سكت من سنة 1938م حتى سنة 1971م ليقول هذا الكلام قبل وفاته بعامين؟2 وينقل الدكتور عمارة عنه مراجعة ثانية عن موقفه من القرآن الكريم في كتابه "في الشعر الجاهلي" أنه قال في كتابه "الفتنة الكبرى":"لقد قلت في بعض أحاديثي عن نشأة النثر عند العرب (لم يقل لنا أي الأحاديث يقصد ولا أين قال هذا الكلام وهذا دأب طه حسين)، إن القرآن ليس شعراً ولا نثراً وإنما هو "قرآن، له مذاهبه وأساليبه الخاصة في التعبير والتصوير والأداء، فيه من قيود الموسيقى، ما يخيل إلى أصحاب السذاجة أنه شعر، وفيه من قيود القافية ما يخيل إليهم أنه سجع، وفيه من الحرية والانطلاق والترسل ما يخيل إلى بعض أصحاب السذاجة الآخرين أنه نثر. ومن أجل هذا خُدع المشركون من قريش، وكذبوا في ذلك تكذيباً شديداً، ومن أجل هذا خدع كذلك بعض المتتبعين لتاريخ النثر، فظنوا أنه أول النثر العربي، وتكذبهم الحقائق الواقعة تكذيباً شديداً، فلو قد حاول بعض الكتاب الثائرين، وقد حاول بعضهم ذلك، أن يأتوا بمثله لما استطاعوا إلا أن يأتوا بما يضحك ويثير السخرية"!
المحطة الثانيةوالدكتور عمارة يعتبر هذه هي المحطة الثانية في مراجعات طه حسين الفكرية، وأقول له: هذه نقطة واحدة، فما قولك في الكثير الذي ذكره في كتابه "في الشعر الجاهلي"؟!ماذا فعل في العقائد والوقائع التي وردت في القرآن الكريم مثل الرحلة الحجازية لأبي الأنبياء إبراهيم، وولده إسماعيل عليهما السلام، وإقامتهما قواعد البيت الحرام؟ هذا بنص كلام الدكتور عمارة.أقول: إنه لم يتراجع عن هذا الكلام.ماذا فعل في تشكيكه في قدر كبير من الشعر الجاهلي؟! وهو يقول عن نفسه كما نقل عنه الدكتور عمارة: "لقد انتهيت إلى رفض قدر كبير من هذا الشعر الجاهلي، وفي إطار هذا السعي شككت في بعض المعتقدات التي ذكرت في القرآن الكريم أو في الأحاديث النبوية، وكانت الصدمة قاسية والاستنكار واسع النطاق".وألفت انتباه القارئ الكريم إلى أن هيئة كبار العلماء قد اجتمعت وتم سحب شهادة العالمية من طه حسين وعدم الاعتداد به أو الاعتراف به كعالم من علماء الأزهر الشريف بعد كتابه "في الشعر الجاهلي".
مراجعة من غير تراجعوعندما أعاد طه حسين نشر هذا الكتاب تحت عنوان: "في الأدب الجاهلي" لم يحذف إلا ثمانية وعشرين سطراً فقط، كما ذكر الدكتور عمارة في مقالته الأولى، وما فعله كان سببه أن تيار المعارضة كان شديداً عليه، ولم يكن بسبب رجوعه عما يعتقد أنه صواب.3 هل تراجع طه حسين عن أقواله الخطيرة عن سيدنا عثمان وعن محاباته لأقاربه وظلمه وغفلته وعدم صلاحيته أن يكون حاكماً من وجهة نظر طه حسين؟على حد علمي، لم يرجع عن هذه الأفكار ولم يعدل الكتاب حتى وفاته سنة 1973م.4 هل تراجع طه حسين عن نقده واستهزائه الشديد بالأزهر ورجاله ومنهم الإمام محمد عبده كما ذكر الدكتور عمارة في مقالته الأولى؟هل تراجع عما كتبه في قصة حياته "الأيام"؟.5 يذكر الدكتور عمارة أن طه حسين دعا إلى حاكمية القرآن والإسلام وشريعته على الدستور وذكر موقفه مع الدكتور عبدالرحمن بدوي عندما اقترح النص في الدستور على مساواة المرأة بالرجل في كل شيء، رد عليه طه حسين قائلاً: "إذا وجد نص ديني صحيح فالحكمة تقتضي ألا نعارضه.. وإذا احترمت الدولة الإسلام فلابد أن نحترمه كاملاً، فلا يكون الإيمان إيماناً ببعض الكتاب وكفراً ببعضه الآخر".نحن مع الدكتور إن قال ذلك، ولكن.. لماذا لم يراجع ما كتبه للشيخ علي عبدالرازق في كتابه "الإسلام وأصول الحكم"؟ الذي يقول فيه: "إن السياسة شيء والدين شيء آخر".ولماذا لم يراجع طه حسين نفسه مراجعة حقيقية كما فعل خالد محمد خالد عندما أنكر الحكم في كتابه "من هنا نبدأ" ورد على نفسه وراجعها قبل وفاته بكتابه "الدولة في الإسلام".6 أما كلامه العاطفي الذي قاله عن مكة والمدينة عام 1955م: "إن لكل مسلم وطنين، لا يستطيع أن يشك في ذلك شكاً قوياً أو ضعيفاً، وطنه الذي نشأ فيه. وهذا الوطن المقدس الذي أنشأ أمته وكوَّن عقله وقلبه وذوقه وعواطفه جميعاً... إلخ".وكذلك بكاؤه عند الحجر الأسود كما روى عنه الدكتور عمارة.أقول: هذا شيء طيب يُحمد له.. لكن كان لزاماً عليه أن يغير فيما كتب، إذا كان كما قال الأستاذ الدكتور عمارة قد بدأ هذه المراجعات منذ منتصف الأربعينيات.وإن عدم مراجعته لكتبه أو إعادة طبعها بروح جديدة تنفي الفاسد من الآراء وتحيي الصالح منها.. إن عدم فعله ذلك دليل على إصراره على ما كتب.
شاهد من أهلههذا ما علمته عن الرجل من خلال متابعتي لأعماله وكتاباته، وأرجو الرجوع للكتاب الذي نشرته زوجته "سوزان" بعد وفاته ونشرته دار المعارف في مصر وهو بعنوان "معك". وقد قالت فيه ما لم يقله في الأيام، وهذا الكتاب يعد تكملة للأيام، لم أجد فيه شيئاً يدل على الإسلام في بيت هذا الرجل. كانت تتكلم معه بالفرنسية طوال الوقت، كان زواره من القسس ورجال الدين والمبشرين والمستشرقين الفرنسيين والغربيين عموماً.كانت تسمي أولاده بأسماء فرنسية، كانت تنادي ابنه مؤنس ب"أندريه" وكانت تنادي أخاه باسم فرنسي أيضاً.ظلت معه أكثر من خمسين عاماً حتى مات سنة 1973م وهي على دينها، ولو كان لهذا الرجل "أحد بلغاء العصر.. والخبير بأسرار التركيب والإعجاز في الأساليب العربية" كما يقول الدكتور عمارة، لو كان له أي تأثير على هذه السيدة لأسلمت.. لكنها فيما أعتقد لم تجد فيه القدوة الإسلامية التي تدعوها لترك دينها، فظلت على دينها إلى أن ماتت.
نشر هذا المقال بمجلة المجتمع الكويتية
العدد 1738 - بتاريخ 10-2-2007

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق